أحب الروس شاعرهم العظيم بوشكين (1799 - 1837) لدرجة أن تعريفه لديهم كان: «بوشكين
هو كل شيء عندنا». في أيام يلتسين ضاع كل أمل لدى الروس في أن تستعيد بلادهم سابق
مجدها كقوة عظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وفي أواخر عهد يلتسين اقترب من سدة
الحكم رجل، اسمه يحمل نفس رنين بوشكين.
إنه فلاديمير بوتين، الذي أصبح قائما بأعمال الرئاسة. وبعد أن تجمدت أوصال يلتسين
وتجمدت معها كل قدرات الدولة الروسية عقدت آمال الكثيرين على أن القادم الجديد إلى
الكرملين هو من سيعيد لروسيا هيبتها وكرامتها اللتين ضيعهما يلتسين. هذا ما حدا
برئيس المركز الروسي للتحليل والتنبؤات دمتري أولشانسكي بأن يسقط عليه في بداية
العام 2000 ما قيل عن بوشكين: «بوتين هو كل شيء عندنا».
بالنسبة للكثيرين برر بوتين الآمال. وفي آخر استطلاع للرأي في روسيا بلغت شعبيته
70%. لقد حضرت الدولة من جديد وانتعشت الصناعة العسكرية والصناعات الأخرى وصادراتها.
واستغلت روسيا ارتفاع أسعار النفط العالمية لإعادة بنائها الاقتصادي واستطاعت أن
تخفف من ديونها الخارجية وتحسن من مستوى معيشة مواطنيها.
وأعيد بناء القدرات العسكرية، وخصوصا الدفاعات المضادة للصواريخ. ومنذ ابريل 2000
ردت روسيا على الإستراتيجية التي اتخذها حلف الناتو عام 1999 لاستخدام الأسلحة
النووية من جانب واحد بأن أقرت العقيدة العسكرية الروسية الجديدة التي تسمح ببدء
الضربة النووية حتى في حال الحرب غير النووية عندما يهدد خطر ما وجود الدولة
الروسية ولا يمكن صده بالوسائل الاعتيادية.
استعادت روسيا جزءا مهما من عافيتها ما سمح لبوتين أن يقف في مؤتمر الأمن الأوربي
الذي عقد أيام عطلة نهاية الأسبوع الماضي في ميونيخ ندا للولايات المتحدة وينتقد
ممارستها سياسة القطب الواحد في العالم ويقول إن استخدام أميركا للناتو أصبح يهدد
أمن روسيا، ولم يعد أي أحد في العالم يشعر بالطمأنينة أو الاحتماء بجدار القانون
الدولي «الحصين».
كان ذلك التصريح قبل أسبوع فقط من قيام بوتين بالزيارة التي اتفق عدد من الصحف
الروسية بوصفها بالتاريخية إلى كل من السعودية وقطر وعدد من بلدان الخليج والشرق
الأوسط. ترى هل تندرج هذه الزيارة في إطار إستراتيجية روسيا لاستعادة نفوذها حول
العالم؟
الجواب، كما يراه كثير من المحللين: نعم، ولكن بمعان وأساليب تختلف عما تفعله
الولايات المتحدة الأميركية. وقد يمكن اتهام بوتين بأنه ومجموعة الحكم يمارسون في
داخل روسيا ما تفعله أميركا في العالم، لكن الواضح أن إستراتيجيتها العالمية هو
استخدام كل جبروتها العسكري والاقتصادي لكي تجعل من التجارة والعلاقات الاقتصادية
الدولية رسل سلام بين الشعوب.
ولربما كان التعويل على العلاقات العسكرية الأمنية العسكرية أكبر من جانب الدول
الأخرى التي تقصد موسكو بناء وتطوير العلاقات معها لشعور هذه البلدان بأن الولايات
المتحدة لا تتبادل معها علاقات متكافئة من جهة، ومن جهة أخرى غير قادرة على حمايتها
بعد أن تورطت أميركا في الوحل العراقي وتورط القرار السياسي الأميركي في وحل
ازدواجية السلطة.
من هنا كانت السعودية ترغب في شراء، وروسيا في بيع أسلحة متطورة منها 150 دبابة من
طراز «ت -90 س» التي وصفها لصحيفة «فيدوموستي» روسلان بوخوف من مركز ACT بأنها
ستشكل نجاحا عظيما في الوصول إلى سوق السلاح في السعودية. لمحت روسيا إلى أنها
تتفهم حاجات دول الخليج لصناعات الطاقة النووية.
كما أن روسيا اقترحت على قطر تقنيات خاصة لمكافحة الإرهاب تستجيب لحاجات اللجنة
الوطنية التي اتخذ في فبراير 2007 قرار بتشكيلها لوضع «استراتيجية وطنية عصرية لدرء
مخاطر وقوع أي هجوم إرهابي». (المصدر: معهد الشرق الأوسط، موسكو، «قطر: قضايا ضمان
الأمن الوطني»، 2007,02,12).
لكن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعت بين روسيا وكل من السعودية وقطر لا تتحدث
عن جانب التعاون العسكري - الأمني، أو النووي. بل أنها تشي بالمرامي الروسية
الحقيقية من وراء الزيارة: اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي، مذكرة تفاهم للتعاون في
المجال الثقافي وأخرى بين بنك الشؤون الاقتصادية الخارجية وبنك الصادرات والواردات
في روسيا الاتحادية والصندوق السعودي للتنمية واتفاقيتين أخريين للتعاون بين وكالة
الأنباء السعودية والوكالة الروسية للأنباء العالمية «ريا نوفوستي» وبين حكومتي
البلدين في مجال خدمات النقل الجوي.
وفي قطر تم التوقيع على مذكرتي تفاهم بشأن التعاون القنصلي بين وزارتي الخارجية،
والتعاون في مجال النفط بين قطر للبترول وشركة «لوك أويل» الروسية القابضة،
واتفاقيتين بشأن تشجيع الاستثمارات وحمايتها المتبادلة، وإنشاء مجلس رجال أعمال
مشترك بين غرفة تجارة وصناعة قطر، وتجارة وصناعة روسيا الاتحادية. ومع ذلك أشار
موقع نيوز.آر يو الاقتصادي الروسي إلى أن الروس لم يشعروا بكثير من الترحيب من جانب
قطاع الأعمال الخاص السعودي إذا لم يسارع إلى إبرام عقود مع الشركات الروسية وطالب
بمنحه أفضليات خاصة لم تعجب بوتين.
لكن الأمر اختلف مساء نفس اليوم، في قطر. هنا دار الحديث بين عملاقين «غازيين» حول
مستقبل تجارة «الذهب الأزرق» الدولية. تقول «الفايننشال تايمز» (9 فبراير 2007) أن
قوانين الاتحاد الأوروبي الجديدة في إطار «تحرير الطاقة» التي تسمح للمستهلكين
بإعادة بيع الغاز وفي الوقت نفسه الحيلولة دون وصول المنتجين مباشرة إلى الأسواق
الأوروبية استنفر الدول المنتجة للغاز وحفزها للتنسيق فيما بينها.
الحقائق -
http://www.alhaqaeq.net/defaultch.asp?action=showarticle&secid=5&articleid=70101
أقرأ أيضاً
تجار يعزون تضاعف المستوردات من الصين إلى تنافسية أسعار منتجاتها
بوش يدعو الى تقدم فى التجارة مع اوروغواى ويتجاهل التظاهرات المناهضة للولايات المتحدة
السبت.. ندوة تعريفية بمجالات وفرص الاستثمار المتاحة في السلطنة وتونس
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007