تجارة: مقالات منوعة في التجارة - تجارة داخلية و تجارة خارجية


إصابة الأغنية العربية بالواوا مسؤولية من؟

واوا دح، واوا بح، واوا يح، ظواهر صوتية، وألفاظ لا وجود لها في اللغة الهيروغليفية أو في كتب أفذاذ العربية من علمائها القدماء أو المحدثين، لكن جهابذة الغناء العربي المعاصر قدموا لنا هذه الظواهر الصوتية بوصفها إبداعًا متفردًا، وخلقًا لم يسبقهم إليه أحد، وأبوا إلا الزن بها علي آذاننا ليل نهار، وفرضها علينا فرضًا؛ فألبسوها إيقاعًا سريعًا وخفيفًا، جملاً لحنية محدودة تسهل عملية الانتشار،
 وأمطرونا عبر القنوات الفضائية بقذائف من الأغنيات المحملة بالتأوهات المثيرة، والإيحاءات الجنسية، ليصاب المجتمع العربي كله بواوا، أخذت تتضخم وتتضخم حتي صارت ورمًا سرطانيا يجب استئصاله فورًا قبل أن نحال جميعًا إلي أطلال.
سألني أحد الشباب ذات يوم عن سر الجمال في تكرار (هس.. هس.. بس.. بس.. نص. بص...إلخ)؟ ولماذا انصرف مطربونا عن التغني بالغزال الإسكندراني إلي الحمار المتحنطر؟ ولماذا هجروا الفم المسمسم والعيون السود والشعر الغجري المجنون، وانشغلوا بالباط... والقفا... والأرداف الممتلئة؟
وقعت طبعًا في حيص بيص، وأيقنت أن خبرتي الطويلة في اللغة والموسيقي لم تسعفني بالرد: فكيف أفسر معاني ومضامين هذه اللغات الحية الجديدة التي ابتكرها عباقرتنا؟ ومادلالة هذه الأصوات- نصف الحنجرية- وما الذي تثيره في النفس؟ هل يكون التحديث بالتفنن في استصدار الأصوات المهيجة للمشاعر للاستئثار بما في جيوب الناس وقلوبهم وعقولهم؟
هل يعني التحدث تغريب القيم والانقضاض علي المروءة والنخوة وتغليب إرادة الخصيان والمخنثين علي إبداع الشرفاء؟ هل أصبحت التأوهات الجنسية التي تصدرها النواعم رسالة القائمين علي الثقافة في مجتمعاتنا التي هجرت الموسيقي الجادة واللغة الرفيعة؟ وهل تهذيب الوجدان يتأتي بإثارة الغرائز علي نحو ما نجده في الكثير من أغنياتنا مثل: «رجب حوش صاحبك عني» ورجب مشغول بأمور أخري عامدًا متعمدًا تاركًا لصاحبه الحبل علي الغارب لافتراس صيده الثمين؟
أستشعر أحيانًا أمام الإصرار علي نشر مثل هذه الأغنيات أننا مستهدفون للسقوط في هوة الرغبة، والانشغال بعوالم مفارقة تمامًا للواقع الذي نحياه، وأن هناك مخططا لتجويف مشاعرنا، أو تجريفها، ولاشك في أن ما وصلنا إليه من انهيار ثقافي وأخلاقي ليس إلا نتيجة طبيعية لما نصارعه بغرائزنا أمام شاشات التليفزيون كل يوم
، وأن تأوهات النساء المحاصرة بعدسات الكاميرات وهي تلتف حول أجسادهن الكاسيات العاريات تدفع أي مؤمن بأي قيمة أن يقدم أكاليل الغار للشهوة بعد النظر إلي هذه الأجساد المثالية التي حرمنا منها، وعانينا من الاشتياق إليها في حياتنا الدنيا، ولم نعد نراها إلا في جنة القنوات الفضائية.

المصرى اليوم - 3 آذار (مارس) 2007

http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=49843

أقرأ أيضاً

أول مصفاة تركية تحصل على تصنيف عالمي"مركز دبي للسلع المتعددة" يمنح "مصفاة اسطنبول للذهب" شهادة "معيار دبي لتسليم الذهب"

الأونكتاد تمنح قطاعات النقل والكهرباء نسبة متدنية

ترويض العمالة الهاربة

الفعاليات السياسية والشعبية تثمن انحياز جلالته للنهج الديموقراطي * ترحيب واسع باعلان الملك اجراء الانتخابات النيابية والبلدية العام الحالي


خريطة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007