الدكتور إمام الجمسى أستاذ الاقتصاد الزراعى بمركز البحوث الزراعية والخبير
التنموى الذى يحظى بتقدير المؤسسات المحلية والدولية بدأ حياته مشاركاً فى حرب 1973
قبل أن يبدأ مسيرته العلمية وحصل على نوط الجمهورية العسكرى من الطبقة الأولى
تقديراً لما قام به من أعمال استثنائية تدل على التضحية والشجاعة،
وبروح المحارب ظل واقفاً على قدميه فى وزارة الزراعة ولم ينحن يوماً أمام أية ضغوط
طوال 23 عاماً أمضاها الدكتور يوسف والى مسئولاً عن القطاع الزراعي.
رفض الإغراءات ولم يسع لتولى المناصب ورفض المساومة على أمانته العلمية وكان شغله
الشاغل مصلحة الوطن وهموم المواطن البسيط وتوفير الغذاء الآمن له وكان لنا معه هذا
الحوار:
- لم تستطع السياسة الزراعية التوفيق بين الضغوط الدولية لإلغاء الدعم، وضرورة
مساندة القطاع الزراعي.. مما تسبب فى إصابة مختلف المحاصيل الزراعية بأضرار بالغة
ما قولك فى عدم مساندة الدولة لقطاع الزراعة فى مصر؟
-- وصل دعم مستلزمات الإنتاج الزراعى خلال حقبة الثمانينيات إلى 276 مليون جنيه
ومثل دعم الأسمدة المحلية والمستوردة منه 70% وتناقص بعد ذلك إلى 97 مليون جنيه إلى
أن تم إلغاؤه فى إطار تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى فى الزراعة المصرية، وتضمن
ذلك إلغاء تحرير أسعار مستلزمات الإنتاج، وسعر الصرف على واردات القطاع العام من
الأسمدة وإلغاء الدعم على بذرة القطن ونخالة القمح ليتم التوزيع بأسعار السوق الأمر
الذى تسبب فى خروج فئات عديدة من عمليات تربية الماشية وزراعة الأرض، بالإضافة إلى
السماح للقطاع الخاص بالدخول فى تجارة الأسمدة والتقاوى وبقية المستلزمات مما تسبب
فى ارتفاع كبير وغير مبرر فى أسعار تلك المستلزمات وبالتالى تكاليف الإنتاج الزراعى
النباتى والحيواني.
- ما الأثر المباشر على المواطن من جراء تطبيق تلك السياسة وهل كانت لها منافع
تذكرها؟
-- إكتوت ميزانية المواطنين المحدودة من ارتفاع أسعار الغذاء وشاهدنا لأول مرة
ارتفاع سعر كيلو البصل إلى 5 جنيهات واستمرت أسعار الطماطم على سبيل المثال عند
مستويات مرتفعة طوال العام بالإضافة إلى الزيادة الشديدة غير المبررة فى أسعار
الخضر والفاكهة وفى المقابل لم تحدث زيادة مباشرة أو غير مباشرة فى الصادرات
المصرية من السلع الزراعية ولم يخفض ذلك من واردات مستلزمات الإنتاج واظهرت
المؤشرات أن سلبيات إلغاء الدعم الزراعى أكبر بكثير من إيجابياته ويحتاج الأمر إلى
إعادة النظر فى ضوء سلوك الدول الغنية.
- ما المسلك الذى تتبعه الدول الغنية فى قضية الدعم الزراعي؟
-- هناك حقائق يجب أن نقر بها وهى أن توليفة السياسات التى فرضتها الدول الغنية
لتطبيقها فى الدول الفقيرة خلقت ظروفا زادت الاغنياء رفاهية بينما ازداد الفقراء
فقراً، والحماية الزراعية التى تمارسها الدول الغنية مكنتها من تطويع الأسواق
لصالحها فالتعريفات الجمركية والقيود التجارية الموضوعة منها استطاعت استبعاد
منتجات الدول النامية روتينيا من الدخول إلى أسواق هذه الدول كما أن بعض القيود غير
التجارية مثل التدابير الصحية والصحة النباتية كانت عائقاً لمنع الدخول إلى أسواق
الدول الغنية وأصبحت تجارة السلع الزراعية غير نزيهة.
- ألغت مصر الدعم الزراعى بضغوط من الآخرين الذين يحرصون على استمراره لمزارعيهم
لتحقيق مصالحهم داخلياً وخارجياً، ما حقيقة ذلك؟ وإلى أى درجة بلغ الأمر؟
-- أنت محق تماماً فيما تقول وتقدم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى دعماً
للزراعة يزيد على 3000 مليار دولار سنوياً وهذا الرقم يعادل أكثر من 6 أمثال ما
تخصصه تلك الدول من إعانات تنمية للدول الفقيرة وهى القيمة المستهدفة من تنشيط
التجارة العالمية وفقاً لمفاوضات دورة أورجواى للجات، وتستخدم تلك الدول القيود
التجارية وغير التجارية لمنع المنتجات الزراعية للدول النامية من الدخول إلى
أسواقها، والتعريفات فى الولايات المتحدة والسوق الأوروبية تبلغ من 4 - 5 أمثال تلك
التعريفات على السلع الصناعية وتصل إلى 100% للفول السودانى ومنتجات الألبان. ويبلغ
دعم القطن فى أمريكا 4،3 مليار دولار سنويا وهو يزيد بكثير عما تقدمه من دعم للدول
الافريقية جنوب الصحراء ويؤدى إلى خفض الأسعار العالمية للقطن بنسبة 25% وتؤكد
الدراسات أن الغاء الدعم الزراعى فى الدول الغنية يؤدى إلى عوائد فى الدول النامية
تقدر بنحو 40 مليار دولار وتسببت تلك السياسات فى تراجع التنمية الزراعية داخل
الدول النامية من 4،3% إلى 2،2% خلال السنوات الأخيرة وهى معدلات غير كافية
للاستمرار فى الزراعة وكما قلنا فهى سياسات إفقار لهذه الدول الفقيرة أصلاً مما
يفرض علينا سرعة مراجعة السياسات الزراعية فى مصر خاصة أن طبيعة الزراعة لدينا لا
يمكن أن تستقيم أو تحقق أهدافها دون مساندة من الدولة بصرف النظر عن الشكل الذى
تأخذه هذه المساندة
- فيما يخص بنك التنمية والإئتمان الزراعى والاتجاهات المتصارعة حوله داخل وزارة
الزراعة لتحويله إلى بنك تجارى غير متخصص، هل لديكم رأى فى ذلك؟
-- دعنى اؤكد أن هذا البنك هو أهم وأقوى أداة لدى وزير الزراعة لتحقيق التنمية
الزراعية وبدونه لن يتمكن من تحقيق أهداف السياسات الزراعية، والتخلى عنه لأى جهة
يعنى فقدان الزراعة لقوة كبيرة تملكها خاصة أن البنك يمد الزراعة بنحو 80% من جملة
الائتمان الموجود بينما تقدم البنوك التجارية 20% فقط من جملة الإئتمان الزراعى ولا
يتوجه للتعامل مع البنوك التجارية سوى كبار الملاك ورجال الأعمال ولا يجد صغار
المزارعين أمامهم سوى بنك التنمية الزراعي.
- هل هناك حاجة لما يدور حول البنك حالياً والحديث عن تحويله إلى بنك مصرفى أو شركة
مساهمة؟
-- لا ضرورة لذلك على الاطلاق ووفقاً للقانون رقم 117 لسنة 1976 فإن البنك يؤدى
جميع الأعمال المصرفية بما فيها قبول الودائع والمدخرات والتعامل فى الأوراق
المالية فهو الآن بنك مصرفى وتنموى فى الوقت نفسه وبما أن هذا البنك هو الوحيد
المتخصص فى الزراعة فإن تلافى السلبيات فيه يجب أن يتم بعيداً عن تغيير هويته
واتجاهاته، وبخصوص تحويله إلى شركة مساهمة قد يفتح الباب على مصراعيه لمساهمين لا
نعرف أهدافهم وهويتهم ويتحكمون فى قرارات البنك وفى هذه الفترة الهلامية من حياتنا
الاقتصادية يجب أن نستيقظ ونغلق الأبواب التى تأتى علينا بريح لا نريدها وتهدد
قطاعا حيويا مهما.
- فى ظل السياسة الزراعية الحالية لم يعد هناك مكان للمحاصيل الاستراتيجية واختفت
من الخريطة محاصيل الأمن القومي؟
-- المحاصيل الاستراتيجية يمكن تصنيفها إلى نوعين الأول يتصل بالأمن الغذائى وهى
محاصيل الحبوب بصفة عامة مثل القمح والأرز والذرة وهى التى يمكن اعتبارها محاصيل
أمن قومي، ومحاصيل ترتبط بمكانة مصر مثل محصول القطن وما يترتب عليه من صناعات ومن
الخطورة البالغة أن نبعد هذه المحاصيل عن سلم الأولويات لأنها تضر بالميزان التجارى
من منطلق زيادة فاتورة الواردات وتقليل حجم الصادرات وبخصوص القطن يمكن أن نشير إلى
ظاهرة الأسواق التى خسرها وذهبت جميعها إلى أقطان البيما الأمريكية رغم أن الطبيعة
ميزت القطن المصرى بخصائص غير موجودة ولا يمكن إيجادها فى الأصناف الأخري.
- الأرض الزراعية فقدت حمايتها، وما تم الحفاظ عليه فى سنوات يتعرض الآن لعمليات
إهدار منظمة بدعاوى باطلة مثل الحصول على أعلى عائد اقتصادى لوحدة الأرض، والحفاظ
بتنظيم البناء وغيرها من الأساليب التى تهدف إلى إهدار الرقعة الزراعية ما حقيقة
ذلك؟
-- أحذر من المساس بالأراضى الزراعية خاصة المساحة المحدودة فى الوادى والدلتا
والتى لا يمكن تعويضها إطلاقاً عن طريق استصلاح أراض جديدة ويجب أن أذكر هنا
الدكتور يوسف والى نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة الأسبق بالخير لعدم تفريطه فى
الأرض الزراعية وعدم المساومة عليها ونجد أن دعاوى كثيرة مثل تعظيم العائد من الأرض
باستغلالها فى أنشطة أخرى وهى دعاوى باطلة وخطيرة تستهدف فى النهاية التهام مساحات
كبيرة من الأراضى وتحقيق بعض الأهداف لأفراد بعينهم طالما حاولوا تحقيقها فى فترات
سابقة ولم ينجحوا فى ذلك، وأعارض البناء على الأراضى الزراعية حتى لو كان ذلك
لإقامة مساجد عليها وأوضح أن لكل بلد طبيعتها والأنظمة التى يجرى استيرادها للتعامل
مع الأرض الزراعية تأتى من دول يزرعون الخضار فى شرفات وعلى أسطح المنازل وهو لا
يصلح فى مصر والمتتبع لأسعار الأراضى الزراعية يجد أن ثمن القيراط فى منطقة جديدة
مثل النوبارية وصل 10 آلاف جنيه بينما بلغ 15 آلف جنيه فى محافظات الدلتا.
- ما رأيك فى فتح باب استيراد الدواجن كوسيلة لمواجهة انهيار الثروة الداجنة بسبب
مرض أنفلونزا الطيور؟
-- السماح باستيراد الدوجن كان مطلباً قديماً للمستوردين حاولوا تحقيقه بكل السبل
لضرب الصناعة الوطنية وتحقيق أطماعهم وأجيب عن سؤالك بواقعة بسيطة كنت شاهداً عليها
فى مكتب الدكتور أحمد جويلى عندما كان وزيراً للتموين.
حضر أمريكيان من أصل مصرى وطلبا منه خفض الجمارك لفتح استيراد الدواجن من الخارج
لكنه رفض ذلك وقال إنه خطير على الصناعة الوطنية لأن المنافسة لن تكون عادلة وقال
إن تجربتنا مع السوق الخارجية كانت دائماً سيئة باستيراد طيور جارحة، والمستورد لم
يكن أميناً، وفقاً للتجربة ورحمة بالمستهلك المصرى المسكين لن نفتح باب استيراد
الدواجن ولنكن عند مستوى الأمانة علماً بأن الطالب كان صديقاً للوزير وقتها.
- تعتبر حكومة رجال الأعمال أن وجود الدولة للسيطرة على أسعار السلع والخدمات أحد
مظاهر النظام الاشتراكى لذلك يجب خروجها بشكل كامل فما قولك فى ذلك؟
جريدة
الاهالي -
http://www.al-ahaly.com/articles/07-03-07/1317-rep24.htm
أقرأ أيضاً
جولة بوش في أمريكا اللاتينية ... بلا جدوى
ذوي ضحايا التفجيرات يطالبون الحكومة بتفعيل قرار التعويضات
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007