الحمد لله رب العالمين، فهذا الواقع المر الذي يحياه شعبنا، ما بين مطرقة
الاحتلال البغيض، وسندان الحمقى ومحترفي (الهبل السياسي)، ليس هو كل الصورة التي
تعكس واقع الشعب الفلسطيني، إذ من بين ثنايا هذا الواقع الحالك، الذي يلف بسواده
معظم حياتنا، ويزرع الغصة في صدور المخلصين منا، تبزغ شموس تبدد حلكة ذلك الليل
الأليل البهيم، وتعيد نضرة الحياة إلى زهرة الأمل بمستقبل أفضل، وتبشر شعبنا بغد
تشرق فيه شموس الحرية بشعاعها الذهبي، من تحت أيدي الصامدين، الذين يغالبون الجراح
والآلام، حتى المكلومون منهم، المفجوعون في فلذات أكبادهم، الذين لا يلومهم أحد لو
أتوا ما يزعج المجتمع، هؤلاء يقدمون لنا دروسًا حقيقية في التضحية والفداء، ويعلمون
من دونهم كيف يكون التعالي على الجراح المحرقة، التي لو نزل بعضها بالجبال لصارت
دكًا، والرجال الرجال لا يظهرون إلا حين تنزل الخطوب، ويشتد البأس!!
جالت هذه الخاطرة بفضاء كوني، وأنا أقرأ ذلك الخبر الصغير الذي نشرته الصحيفة
بالأمس، عن الحاج إبراهيم سلامة الطلاع، من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة، الذي تبرع
بمنزله من أجل إنشاء مسجد عليه، تنفيذًا لوصية ولده الشهيد مراد.
ومراد هو واحد من ضحايا الفتنة الملعونة التي عصفت بنا ريحها السموم قبل ما لا يزيد
عن الشهر إلا قليلاً، وأسقطت منا عشرات القتلى والجرحى، على مذابح الشهوات الرخيصة،
حيث كان مراد يخدم في قوات الأمن الوطني، وقد أصيب أثناء تأديته واجبه الوطني على
يد قناص مجرم (مجهول)، خلال تلك الفتنة العمياء، وكان أوصى قبل استشهاده بأن يتم
تحويل المنزل، الذي شهد طفولته وصباه وشبابه، إلى مسجد يذكر فيه اسم الله كثيرًا،
ويسبح لله فيه رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة، وما كان من والده الحاج أبو خالد إلا أن ينهض لتنفيذ الوصية، تمامًا كما
يفعل كل الرجال الأخيار، الذين يبرهنون بالفعل قبل القول أن هذه الأرض المباركة لن
تنضب، ولن تكف عن إنجاب الرجال الرجال، الذين يعرفون كيف يكون الوفاء.
لكن هذه ليست كل الحكاية، فقد أكد الحاج أبو خالد أن بناء المسجد وإعماره سيتم
بعيدا عن كافة التنظيمات والأحزاب، أيًا كان لونها السياسي، وأيًا كان مشربها
الفكري، كي لا يتحول المسجد إلى مقر لأي فصيل أو حزب أو تنظيم، بل لله وحده لا شريك
له، الذي له المساجد وحده، وليس لأحد عليها سلطان إلا بما شرع الله في كتابه، وعلى
لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فأظلم الناس من يمنع الناس عن مساجد الله، "ومن أظلم
ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها".
مبادرة الحاج أبو خالد هذه، قد نكأت فينا جرحًا عميقًا، أحدثه في قلوبنا ما آل إليه
واقع الكثير من المساجد في بلادنا، بعد أن حولها الاختلال الفكري والانحراف السلوكي
عن مقصدها الذي ما بنيت إلا له، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، حتى أصبح مألوفًا
أن يسمي الناس المساجد بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا مسجد لحماس، وذاك
للجهاد، وثالث لفتح، ورابع للسلفيين، وخامس وسادس وسابع وعاشر، ما يعكس بعنف حالة
الضعف والفرقة التي نعانيها، والتي ضربت عصب وجودنا وحياتنا في كل جوانبها ومناحيها،
حتى وصلت إلى أن تطال أخص خصوصياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية، ووصلت إلى حد
المس برموزنا المقدسة، التي هي منابع الهداية، ومشاعل النور، وموئل السكينة والوقار،
وملتقى أفئدة المؤمنين المتوحدين على كلمة الله، وليست كما يريد لها البعض أن تكون
أشبه بالدكاكين الحزبية، التي تفرق ولا تجمع، وتضل ولا تهدي!!.
المساجد هي بيوت الله وحده، وهي بذلك قلب هذه الأمة النابض بالحياة، وروحها الجامعة
على الحب، في رحابها المقدسة تولد كل معاني الخير وقيم الصلاح، وفي أفيائها يحفظ
الطهر وتصان الأمانة، ومن فوق منابرها العامرة يهدم الباطل ويزلزل الطاغوت، وفي
محرابها يحلو الخشوع ويتعزز اليقين ويتأصل الأدب والتواضع والصبر، ومنها يتخرج
الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أولئك الذين "لا تلهيهم
تجارة ولا بيع عن
ذكر الله يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار"، ولذلك كان المسجد هو المؤسسة
الأولى التي عمل النبي صلى الله عليه وسلم على بنائها في المدينة المنورة بعد
الهجرة مباشرة، ليكون هو النواة لبناء المجتمع كله فيما بعد.
طوبى للشهيد (مراد) وصيته، وطوبى لوالده الحاج أبو خالد تنفيذها، فقد ربح البيع
بإذن الله، ويبقى دورنا نحن أن نعزز هذه المبادرة؛ أولاً بالمساهمة والمشاركة في
بناء المسجد، وثانيًا بالحفاظ عليه مسجدًا خالصًا لله، بحيث لا يصبح مثل كثير من
مساجدنا، التي أخرجها التنافس والتنابز الحزبي البغيض عن مسارها القويم، وحولها -أو
يكاد- إلى مجرد (دكاكين حزبية).
دنيا الوطن -
http://www.alwatanvoice.com/arabic/pulpit.php?go=show&id=78786
أقرأ أيضاً
انتقادات حادة لتعامل الحكومة مع حريق ورش باب الشعرية
وفد الهلال الاحمر يوزع مواد غذائية وطبية على المتضررين في ملاوي
سعر برميل الدم العراقي وصل إلى الصفر
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007