تتسع غرائبية الحياة العراقية اليوم لتتعدى المشهد السياسي والأمني إلى الثقافي
والفكري ، ففي الوقت الذي تتشح فيه شوارع وجدران مدن الجنوب بالسواد لاحياء ذكرى
مقتل الحسين بن علي (رض) في كربلاء ،والتي ما زال الاحتفال بها قائما منذ مطلع
السنة الهجرية حتى اليوم. تجد بعض المؤسسات (الخيرية) والتيارات السياسية ،الإسلامية
خاصة أن المناسبة قائمة للتعبير عن برامجها وطروحاتها المرحلية .
ومهما قيل فالسياسيون يستغلون المناسبات الدينية ابشع استغلال ،إذ أن المصالح
الشخصية والحزبية لا تتقاطع في نظر هؤلاء إذا كانت تؤدي غرضا ما أو منفعة تصب في
صالح التيار أو الحزب ، فيظل زعيم الحزب أو رئيس الكتلة يبتكر للمناسبة هذه التبرير
والتبرير لكي يطيل في زمنها ويديمها على وفق حاجته ، وما تشهده الساحة السياسية
العراقية اليوم لا يعبر عن مسار ديني مطلقا بقدر ما يعبر عن تجاذبات فئوية تلبس
لبوس الدين ،وتستغل بساطة وعي وجهل التابعين ،لكن القضية تعدت برامج السياسيين إلى
مصالح التجار وأصحاب رؤوس الأموال في سابقة خطيرة جديدة باتت تشهدها الثقافة
العراقية .
وبذلك تحرك بعض أصحاب الأموال من طبقة الملاكين الكبار وتجار الجملة من الذين يشكك
الكثير من المواطنين بنزاهة ممتلكاتهم في المرحلة هذه خاصة ،بعد اختلاط رؤوس
الأموال بتجارات مشبوهة كالتسليب على الطرق الخارجية وسرقة المال العام والتهريب (النفط
، الماشية وربما المخدرات..) فوجد أؤلئك الفرصة مناسبة جدا لإقامة مهرجانات شعرية
،(لرعاية الثقافة والأدباء المعوزين دائما ) مستغلين صعود ثلة من أنصاف وأرباع
الأدباء أو من مقاولي الثقافة اليوم ، من المستعدين دائما لتنفيذ المشاريع الثقافية
تحت أي مسمى كان، ومهما بلغت درجة وضاعته .
ففي البصرة –جنوب العراق – أقامت إحدى الشركات مهرجانا للشعر بالتنسيق مع رئيس
اتحاد الأدباء في المدينة ،والتعاون مع جهات رسمية وشبه رسمية سمته (ملتقى الحسين
الإبداعي الأول)- للفترة من (5-6 ) من مارس –آذار الجاري دعت له أدباء من محافظات
العراق الجنوبية المختلفة . وهنا لا يعني أننا نطعن بالشركة أو صاحبها –فالناس
وجدوا في المناسبة هذه فرصة للتعبير عن حبهم للحسين من جهة وأخرى لبذل الطعام
وإشباع بطون الفقراء والمحتاجين من جهة أخرى ،في مناسبة جرت العادة فيها على تقديم
الطعام. ولا نجد ضيرا من حضور (أدباء الرز باللحم) في الصفوف الأمامية منتظرين مساء
الاختتام ، حيث توزع مكافأة المهرجان ،والتي سيتكرم بها طبعا صاحب الدعوة شاكرا
ومشكورا .
وعلى مدى يومين متتاليين لم ُيرَ الكثير من أدباء البصرة ، في مقهى الأدباء الفقيرة
الكائنة في محلة البجاري وسط المدينة ، فقد اختفى هؤلاء في أروقة غرفة
تجارة البصرة
حيث يقرأ الشعر بنمطيه الفصيح والشعبي أو في بستان صاحب الشركة وراعي الملتقى ،ليتدافعوا
بالمناكب أمام الخوان الكبير الذي أعد هناك ،والمزدحم بالرز واللحم البلدي .ففي
المناسبة فرصة أكيدة لتذكر الموائد التي كانت تفرض إقامتها على شيوخ القبائل أيام
النظام السابق لضيوف مهرجانات الشعر التي تتغنى بحب الوطن والقائد،رغم الفارق طبعا
بين المناسبتين لكي لا يتقول علينا البعض ،ويصفنا باتباع النظام السابق أو الطائفية
.
ورغم أن رئيس الاتحاد حاتم العقيلي جاء بانتخابات نزيهة 100% والشهادة لله ،لكنه
والذين معه اليوم لم ينسوا هزيمته في الانتخابات السابقة التي لم يحصل فيها على 13
صوتا من اصل 300،غير انه استطاع أن يستنهض الموتى من الأدباء ،وان ينفق عليهم من
المال الذي استحوذ عليه من الدورة الانتخابية الأسبق والسطو المؤدب على منح
المنظمات الإنسانية العالمية والعراقية ليصوتوا له ، وهنا لا أحد يلقي باللائمة
عليه أبدا لكن الـ65 (أديبا) أقصد وضيعا من الذين قاتل كي يضمهم إلى نفاية الأدباء
هم الذين أوصلوه لرئاسة مجلس الأدباء المتكون من خمس مومياوات لا حول لهم ولا قوة .
وتثير قضية (ملتقى الحسين الإبداعي ) الذي أقيم مؤخرا في البصرة قضية سرقات (ملتقيات
اتحاد الأدباء الإبداعية) السابقة ، والأرباح المستحصلة منها ،حيث يفهم رئيس
الاتحاد الثقافة اليوم على أنها فرصة للتقفيص على وفق المصطلح العراقي في السوق
اليوم، ومحنة الثقافة العراقية في ظل هيمنة الأدعياء والنصابين والمخمورين من الذين
وجدوا الساحة فارغة أمامهم بعد ترفع المترفعين وانسحابهم العطر من نتانة المشهد
الثقافي وقذارته .
كتابات -
http://www.kitabat.com/i26073.htm
أقرأ أيضاً
الاستثمارات العقارية تتسابق إلى أبوظبي لحجز مواقعها
انتقادات حادة لتعامل الحكومة مع حريق ورش باب الشعرية
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007