تجارة: مقالات منوعة في التجارة - تجارة داخلية و تجارة خارجية


أوراق ثقافية ... فرجان الإمارات أصوات من حياة منقرضة

هذه المرة باتجاه رأس الخيمة، لكي أعاين بعض “فرجان” هذه الإمارة التي خرج من صلبها الكثير من مبدعي الامارات في الرواية وفي الشعر والمسرح والتشكيل والموسيقا والبحث التراثي.
إذاً.. ليكن “الفريج” هو مركز هذه الرحلة وهذه الكتابة.
الزمن الذهبي للفريج في الإمارات كان في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، واستمر وجود “الفريج” وحياته وأشخاصه وأصواته حتى نهاية السبعينات بل حتى الثمانينات من القرن الماضي، ولكن بعد ذلك، سيختفي “الفريج” بوصفه مكاناً ومكوناً من مكونات حياة الناس، ولن يعود سوى ذاكرة محمولة في رؤوس جيل أو جيلين.. جيل الآباء ثم جيل اولئك الذين ولدوا في الخمسينات من القرن الماضي في الامارات، أي انهم الآن في الاربعين والخمسين من العمر، وهذا الجيل الاماراتي عاش مرحلة “الفريج” ومرحلة اختفاء “الفريج” حيث تحولت اليوم الاحياء الصغيرة تلك وبيوت الطوب وربما الصفيح الى معماريات اسمنتية بعضها على شكل ابراج شاهقة على نحو عمودي مغاير تماما للمشهدية الأفقية التي كانت تطبع بيوت ومنازل الخمسينات من القرن الماضي في الامارات.
وبالطبع تغيرت الحياة الى الأفضل، ولكن إذا تتبعنا خيط الحنين في ذاكرات هذا الجيل، فإننا نجده حنيناً موجهاً إلى تلك الذكريات والصور والمشاهد المرتبطة بطفولة هذا الجيل، وكان مسرح هذه الذكريات هناك في تلك “الفرجان” التي نستعيدها اليوم من باب قراءتها ثقافيا، وليس من باب النكوص أو الارتداد الى ماض نقله الحاضر الى ثقافة اخرى مختلفة تماما عن ثقافة تلك الأحياء الصغيرة.
 
 (2)
 
يبدأ زمن “الفريج” بعد صلاة العصر، حيث يتجمع أو يلتقي الاطفال والرجال والنساء في مكان متفق عليه.
هنا ستبدأ حياة بين هؤلاء الناس بمختلف أعمارهم، وفي وقت تكون فيه الشمس اكثر رحمة بالبشر، ويبدو ان اول أبطال الفرجان هم الاطفال الذين يشعلون فتيل الحياة من خلال اللعب والصخب.. حتى الكتابة على الجدران كانت من ملامح الفرجان في ذلك الوقت الفطري بكل ما فيه من تفاصيل بعضها لا نعرفه بالطبع إلا إذا عدنا الى رجالات تلك الفرجان وتلك المرحلة.
“الفريج” اقتراح اجتماعي للقاء، إذاً، يعكس صورة التكافل والتضامن بين الناس، ويعكس الألفة البشرية وتلك الحميمية المتبادلة بين سكان الفريج، والتي من ركائزها أولئك النسوة والرجال الذين يتداولون امراً ما، أو يواصلون حكاية ما، وهم يستمتعون بلحظات “الفريج” وبأصواته وحتى ألوانه.
أتخيل الآن تلك النداءات التي قد تنطلق من خلف جدار أو من خلف نخلة، وأكاد اصغي الى بعض الشجارات وأصوات أجداد وجدات يجلسون في تلك الظلال، الرجال على “الدكات”، والنساء بالقرب من العتبات الواطئة.
في “الفريج” حياة مشتركة مختلطة بالمحبة والاحترام المتبادل، فمعظم سكان “الفريج” هم من اسرة أو عائلة واحدة في الغالب، ولذلك فالعلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة اخلاقية نظيفة محكومة الى أدبيات العائلة التي تعيش في “فريج” واحد، نادراً ما تشاركها في هذا الفريج عائلة اخرى.
وكانت الفرجان في الامارات مجموعة من “الأفضية” المفتوحة للتزاور والبيع والشراء وربما الاتفاق على زواج شاب من شابة أو حتى الاتفاق على مصالحة بين اثنين متخاصمين.
إذاً، “الفريج” فضاء الاحتكاك والتلاقي بين الناس، وهو ايضا فضاء اللغة بكل امتلائها الشعبي، وهي لغة مشتركة لا تخرج عن حدود ألسنة هؤلاء المشتركين في مكان “إقامة” واحدة هو “الفريج”.
اللغة المشتركة. ذات الايقاع والمفاهيم والدلالات والايحاءات المتعارف عليها، هي لغة المكان، وهي ليست غريبة على أي لسان هنا في مكانها الواحد.
لغة لا تدخل إليها لغة اخرى من أي مكان آخر، تماماً، مثلما يتحفظ وربما “يجفل” أهل الفريج لدى رؤيتهم شخصاً غريباً يدخل الى محيط “فريجهم”، فالقادم الغريب الى “الفريج” هو موضع مساءلة سريعة، يستوقفه في العادة ما يمكن ان اطلق عليهم “حماة الفريج” وربما “فتوته” وهم من الشباب أو الفتيان، وهؤلاء يكونون فريقاً واحداً متماسكاً أشبه ب”المجموعة” التي تتبارى في ألعاب السباق والألعاب الرياضية مع مجموعات “الفرجان” الأخرى.
لكل “فريج” إذاً مجموعاته “الحارسة”، ولكل فريج حكاياته الخاصة، وربما اسراره، التي لا ينبغي ان تخرج ويباح بها الى الفرجان الأخرى.
يتذكر الشاعر والباحث عبدالعزيز المسلم “مشهدية” الفريج قبل حوالي 30 عاماً، وسوف تكون صورة “العرصات” هي واحدة من ملامح الفرجان آنذاك، و”العرصات” هي المناطق الخالية بين المنازل، ويتذكر المسلم بساتين النخل بالقرب من الفرجان، وهي ملمح آخر للفريج، وعادة ليس لبستان النخل من مالك محددة ولذلك بإمكان أهل الفريج جميعاً ان ينتفعوا من “النخل”.
ملمح آخر من “الفريج” هو “المرمس” ففي بعض الفرجان تقام “مرامس” أهل الفريج وهو مجلس للحكايات وربما لإلقاء الشعر، ويعود “المرمس” عادة لواحد من النوخذة أو يعود الى ربان سفينة أو تاجر لؤلؤ.
تبدأ سهرات “المرامس” من صلاة المغرب الى ساعة محددة وربما غير محددة من الليل، ويبدو ان هذه الحالة هي “الوجه الثاني” للفريج الذي يبدأ زمنه عادة بعد الظهر أو بعد العصر ويمتد الى ما بعد صلاة المغرب بقليل.
لم تكن تنتشر “الفزات” في تلك المرحلة كما يبدو، ولذلك، فوقت “الفريج” أو وقت التقاء الناس ينتهي ليلاً، هنا يعود الناس الى بيوتهم بانتظار لقيا أخرى في نهار آخر.
بين حكايات الليل، وحكايات النهار (نهار الفريج) كان يتشكل قوام ثقافة شعبية سوف تستفيد من مادتها بعض النصوص القصصية في الامارات، وبنسبة أقل النصوص الشعرية، وسوف يستمد بعض الكتّاب في الامارات هذه المادة بخامتها الشعبية التي تقترب من الاسطورة احياناً، ولكنها اسطورة مخففة إن جازت العبارة بمخيلة شعبية تضيف الكثير من التفاصيل الى حادثة صغيرة على سبيل المثال.. هذه الاضافات الشعبية للأحداث القصصية في فرجان الامارات تصل الى حد المبالغة احياناً، فلم يكن لدى الناس في ذلك الوقت ما يشغلهم الى حد الدهشة سوى حبك الحكايات التي يدور معظمها حول السحر والجن.
وعلى سبيل المثال سوف يتداول أهل فريج المريجة في الشارقة حكاية “جني المريجة” الذي يظهر في الليل وفي النهار احيانا، ويتمثل “الجني” لأهل الفريج بصورة طفل نصف جسده مغروس في التراب ونصفه الآخر ظاهر للعيان، وسوف تشتهر هذه الحكاية، وتتناقلها الفرجان على ألسنة الرواة والحكاين.
وفي “فريج” الحديبة في رأس الخيمة يتذكر الشاعر عبدالعزيز جاسم احدى النساء اطلق عليها أهل الفريج لقب “درزن ملابق”، كانت تسكن “عريشاً” قريباً من مقبرة عائدة لموتى الفريج.
هذه المقبرة ستكبر ولكن سيندثر “الفريج”، ومن المعتقد ان الشاعر الراحل جمعة الفيروز قد دفن في مقبرة الحديبة، أما الفريج نفسه “فريج الحديبة” فهو الى الآن يحتفظ بواحد من ملامح الفرجان في الامارات وهو “النخل” حيث يمتد الى اليوم الى جانب “فريج الحديبة” بستان نخل، وفي هذا المكان ولد الشاعر عبدالعزيز جاسم.
ومن الفرجان الأخرى في رأس الخيمة: فريج العلي، فريج الميان، فريج المحارة، فريج دهان، وفريج سدروة.

الخليج - 17 آذار (مارس) 2007

http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=364138

أقرأ أيضاً

279 مليون درهم اجمالي استثمار شركات الخدمات الفنية في دبي

الأمير يفتتح مؤتمر الإصلاح الاقتصادي: كلام مكرر وقرار مؤجل

..النقطة العاشرة !

آفاق..الصين الكبيرة


خريطة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007