تجارة: مقالات منوعة في التجارة - تجارة داخلية و تجارة خارجية


بوش في أمريكا اللاتينية: فشل ليس بحاجة إلي شرور اليسار؟

جولة الأيام الستة، التي قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش إلي أربع دول في أمريكا اللاتينية، البرازيل والأروغواي وكولومبيا وغواتيمالا والمكسيك، حملت من الرموز والبلاغة والمسرح ـ وكان في النشاط الأخير طراز إيمائي أيضاً! ـ أكثر بكثير مما جاء من وعود بتقديم مساعدات ملموسة أو برامج استثمار تنموية أو مبادرات عون في ميادين الإسكان أو الرعاية الصحية أو التعليم أو تنظيم الهجرة والحدّ من نزيف الأدمغة. ويكفي، في مثال أوّل يكاد يلغي الحاجة إلي أيّ مثال إضافي، أنّ بوش تفاخر بعزم إدارته علي زيادة المساعدات إلي أمريكا اللاتينية، وتناسي أنّ مشروع الميزانية الذي أرسله إلي الكونغرس يخفّض تلك المساعدات، بدل زيادتها أو حتي الإبقاء عليها في مستواها الراهن!
غايات الجولة، كما بدا واضحاً قبل أن يتضح سريعاً وعلي نحو مكشوف مفضوح، كانت تُختصر في هدفين اثنين: إحتواء التأثيرات الهائلة والقاعدية واليومية التي يمارسها الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في ضمير الشارع الشعبي العريض هنا وهناك في دول القارّة؛ ثمّ الإيحاء، بعد الاحتواء، أنّ يسار أمريكا اللاتينية ليس واحداً متماثلاً رجيماً علي قدم المساواة من وجهة النظر الأمريكية، وثمة يسار نظيف طيّب رشيد (من النوع السائد في الأروغواي والبرازيل مثلاً)، ويسار قذر شرّير مغامر (من نوع كوبا كاسترو، وفنزويلا شافيز، وبوليفيا إيفو موراليس). ولهذا وجدنا بوش ينقلب إلي منافس لكبار ممثّلي لاهوت التحرير، لكي لا نقول إنه تباري مع كارل ماركس نفسه، في التركيز علي العدل والمساواة والبُعد الاقتصادي للحياة الاجتماعية! في غواتيمالا خاطب الجماهير هكذا: نحن حلفاء في قضية العدالة الاجتماعية ، وفي الأروغواي قال دون أن يرفّ له جفن: محنة الفقراء تثير قلق الولايات المتحدة ، وفي البرازيل اقترح التحالف الأفضل ضدّ الفقر: نحن كلّنا عائلة الله !، قبل أن يضيف: إذا أصيب واحد بأذي، فإننا أيضاً نُصاب به !
لكنّ السحر لم ينطلِ علي الجموع خارج قاعات الاستقبال، رغم أنّ بوش حرص هذه المرّة علي الإقلال من تواجده فيها والإكثار من الاحتكاك بالشارع، ولاح أنّ النقيض تماماً هو الذي أسفرت عنه الجولة: تظاهرات شعبية واسعة، ليس للاحتجاج علي زيارته فحسب (وهذا صار تقليداً كلاسيكياً أينما حلّ وارتحل)، بل أساساً للإعراب عن رفض سلسلة من الاتفاقيات أو التفاهمات التي توصلت إليها واشنطن مع العواصم المعنيّة بالجولة (كما في مثال تظاهرات مونتيفيديو احتجاجاً علي اتفاقيات التبادل التي أبرمها رئيس الأورغواي تاباري فاسكيز مع الولايات المتحدة، أو تظاهرة كراكاس ضدّ اتفاقيات مماثلة عقدها الرئيس الأرجنتيني نستور كيرشنر)، والترحيب بمبادرات مضادة من نوع تأسيس بنك الجنوب الهادف إلي الحدّ من نفوذ البنك الدولي في شؤون أمريكا اللاتينية.
وإذا كانت ممارسة السياسة الخارجية تنطوي، في عالمنا المعاصر وخاصة عند القوي العظمي، علي طرائق بالغة الرداءة، فإنّ أكثرها سوءاً ذلك السبيل الذي يختزل قضية متشابكة معقدة إلي مجرّد تفصيل واحد تُسلّط عليه كلّ الأضواء، ويصبح بالتالي جوهر الكلّ ومنتهي الكلّيانية. وهذه كانت حال بوش، مثل معظم الرؤساء الأمريكيين في الواقع، تجاه القضايا المعقدة التي تنمّي حسّ السياسة لدي الجموع في أمريكا اللاتينية، وتخلق بالتالي دوافع مجيء اليسار (راشداً كان وطيّباً، أم مغامراً وشريراً) هنا وهناك في أرجاء القارّة.
وقبل سنوات معدودات كان سلفه، بيل كلينتون، قد أدّي وصلة مسرحية مماثلة ـ تراجيدية هذه المرّة ـ أمام الشارع الغواتيمالي، حزناً علي 200 ألف ضحيّة سقطوا خلال الحرب الأهلية التي كان للمخابرات المركزية الأمريكية الدور الأكبر في إشعالها وهندستها وتغذيتها بالحديد والنار. وآنذاك اختصر كلينتون المأساة بأسرها هكذا: من المهمّ أن أعلن بوضوح أنّ دعم القوات العسكرية أو وحدات الإستخبارات التي انخرطت في أعمال العنف والقمع الواسع النطاق، كان خاطئاً. وينبغي علي الولايات المتحدة أن لا تكرر ذلك الخطأ. علينا، بدل ذلك، أن نواصل دعم السلام وسيرورة المصالحة في غواتيمالا .
لكنّ العامل الموضوعي الذي أجبر كلينتون علي هذا الإقرار العلني كان التقرير الذي صدر عن هيئة إيضاح التاريخ ، التي عكفت علي دراسة وقائع 36 سنة من حرب أهلية ارتكب فيها الجيش وقوات الأمن الغواتيمالية أكثر من 42 ألف حالة انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، تراوحت بين الموت تحت التعذيب والإعاقة الجسدية والاغتيال وإحراق قري بأكملها، وبلغت حدّ الإبادة الجماعية لمجموعة إثنية ريفية هي المايا، اتهمتها الطغمة العسكرية بالتعاطف مع ميليشيات اليسار. والتقرير قال التالي عن تورّط الولايات المتحدة: تكشف تحقيقات الهيئة أنه حتي أواسط الثمانينيات مارست حكومة الولايات المتحدة والشركات الأمريكية الخاصة ضغطاً صريحاً لإبقاء غواتيمالا في إسار بُنية من الفوضي الإقتصادية ـ الإجتماعية غير العادلة. يضاف إلي ذلك أن الولايات المتحدة، عبر مختلف هياكلها الإدارية، والمخابرات المركزية تحديداً، قدّمت دعماً مباشراً وغير مباشر لعمليات القمع اللاشرعية التي مارستها أجهزة السلطة الغواتيمالية .
وأمّا السجل التاريخي فقد دوّن أنّ مليشيات يسارية انخرطت في حرب عصابات ضد السلطة العسكرية إثر قيام حفنة من ضباط الجيش بإنقلاب (مدعوم مباشرة من الولايات المتحدة وحلف الـ ناتو ) ضدّ حكومة الرئيس جاكوبو أربينز (الليبرالية، وليس الشيوعية!) التي كانت آنذاك قد انتُخبت بصفة شرعية ديمقراطية. وأمّا الأسباب فهي ثلاثة: أن أربينز وافق علي ممارسة الشيوعيين لحقّهم في العمل السياسي، وأنه لجأ إلي المعسكر الإشتراكي لشراء الأسلحة حين رفضت الولايات المتحدة ودول حلف الـ ناتو تزويده بها، وأنه رفض التراجع عن تشريعات الإصلاح الزراعي التي كانت ستصيب بالضرر مصالح شركة الفواكه المتحدة الأمريكية العملاقة. كذلك يقول السجّل التاريخي إن واشنطن هي التي ضغطت مباشرة من أجل إطلاق يد الجيش في تطبيق سياسة الأرض المحروقة ضدّ المعارضة الغواتيمالية، وأنها ساعدت في ذلك عن طريق القصف الجويّ لمواقع الميليشيات، ثم عن طريق إرسال قوّات تدخل أمريكية رابطت في غواتيمالا وأشرفت علي مختلف العمليات العسكرية.

مصر - الشعب  17 آذار (مارس) 2007

http://www.alshaab.com/news.php?i=4379

أقرأ أيضاً

بدء العد التنازلي لانطلاق كبرى دورات "مؤتمر مجلس الشرق الأوسط لمراكز التسوق"

هرولة إلى التحرير يقابلها تقاعس عن التطوير

لاتقترض ولا ترهن بيتك من أجل المضاربة

الأمل يحدو مواطني الخليل بأن تنهي حكومة الوحدة الجديدة حالة الفوضى


خريطة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007