بات معروفا ومستهلكا أن مهنة بيع الجسد أو "الدعارة" هي أقدم مهنة في تاريخ
البشرية. وقد أسالت الأقلام المغربية حبرها بسخاء لتحليل هذه الظاهرة التي استفحلت
في مختلف مدن المغرب، غير أن خطاباتها التي اتخذت طابع التحري والترصد ركزت على
محور ظاهرة "المومسات"، ليظل جزء مهم وأساسي من كنهها منسيا وغامضا، مما خلق هامشا
حيويا لبعض الكائنات الآدمية التي تنفخ في كير الدعارة حتى تأخذ هذا الحجم الذي بات
ملموسا، والذي يراه المواطنون كل حسب زاويته.
غير أنه إذا توحدت أساليب امتهان تجارة الأجساد الطافحة بالأنوثة، فإن الطرق
المؤدية إلى حدوثها تختلف باختلاف المتعاطين والمدمنين على ممارستها، سواء تعلق
الأمر بالدعارة الراقية أو الشعبية، إلا أن هناك عوامل أخرى ساعدت على استمرار هذه
الظاهرة "الآفة" التي يجد فيها الزبناء غاياتهم لمعانقة الدفء الأنثوي المتحرر،
ولعل أبرز هذه العوامل، "الوسيطة" أو "القوادة" بالمفهوم الشعبي المتداول.
من خلال هذه الزاوية سنسلط الضوء على دور الوسيطات في انتعاش البغاء (الدعارة) ببعض
المدن المغربية، خصوصا منها المناطق الشعبية. التقينا بعضهن في فضاءات مختلفة وغصنا
داخلهن لنكتشف الجانب الخفي الذي يعتمدنه لتلبية مآرب زبائنهن اللاهثين وراء إشباع
رغباتهم الجنسية المكبوتة.
إذن كيف تشتغل هؤلاء الوسيطات؟ وهل في حوزتهن لائحة بأسماء العاهرات اللواتي
يتعاملن معهن؟ وهل السلطات الأمنية على علم بما يجري في هذه الفضاءات؟ أسئلة كثيرة
حملتنا لاقتحام القلاع المحصنة التي تنتعش فيها وسيطات الدعارة الشعبية.
"وسيطات الدعارة الشعبية"
"وسيطة" بشقة مفروشة
لم يعد ذاك الانطباع الذي كنا نرسمه عن "وسيطات الدعارة"، كونهن عجائز يرتدين
أقراط ودمالج ذهبية، يجلسن أمام منازلهن وينادين المارة بجرأة قل نظيرها، "أجي
أولدي عندي المليح" أو تلك التي تتوسط داخل بيتها فتيات شبه عاريات وتوزعهن على
الزبائن حسب المبلغ المدفوع، بل لم يعد التصور التقليدي حول "القوادات" بالشكل الذي
كان عليه من قبل، أي اللواتي كن يبسطن نفوذهن في كل من خنيفرة، الكاموني، الحاجب،
الخميسات، تيفلت والكارة... لإثارة الزبناء عبر لوحة معلقة بإحكام على أبواب
المواخير كتب عليها "ادفع ودخل"، بل في ظل تضييق السلطات الأمنية الخناق على "تجارة
الرق الأبيض"، ابتكرت بعض النساء وسائل أخرى في لعب دور الوساطة بين المدمنين على
ممارسة الدعارة والمومسات اللواتي تأتمرن بإمرتهن، ففور وصولنا إلى إقليم الجديدة
كانت محطة الركاب غاصة بالمسافرين، وسط هتافات "الكريسونات" (اليوسفية، الشماعية،
كازا، أسفي....) اخترق مسمعنا صوت أنثوي من الخلف كانت امرأة تكاد تطرق عقدها
الخامس، ما يميز وجهها هو أثار الوشم أسفل شفتها التي لم تفلح في أزاحته، مما خلف
ما يشبه الأخدود في مساحة ذقنها الذي اكتسحته التجاعيد "خاصكم شي بيت 60 درهم لليلة"،
كانت الفرصة سانحة لتتبع خيوط هذه التجربة، طلبت منا صاحبة البيت أن نتبعها دون
إثارة انتباه الآخرين، هنا ساورنا الشك، حول هذه العملية، لكن خلصنا في الأخير أنها
فعلت ذلك ربما لكونها تكتري غرفا "مارشي نوار"، وقد سبق أن أشارت لنا بدخول منزلها
دون تردد، كانت المسافة التي تفصلنا عنها حوالي ثلاثين مترا، وما أن نصل دربا أو
زقاقا حتى نعرج في اتجاه آخر، لكن ما يميز تلك المسيرة الماراتونية هو هواء الجديدة
المفعم برائحة البحر.
وأخيرا وصلنا منزلها المشكل من طابقين، صعدنا إلى الطابق الأول، لتخيرنا المرأة
التي أطلقنا عليها لقب "الحاجة" بين الغرف الثلاث، اثنتان منها متشابهتان وتفتقدان
لأبسط شروط الراحة، حتى أن أسرّتها تبعثان على التقزز والقرف، أما الغرفة الثالثة،
فقد كانت مفروشة ومنمقة بعناية فائقة، قالت الحاجة"هذه بـ 100 درهم فقط لكنها تفتقد
لقنينة غاز"، منحتها 110 درهم، لتمنحنا بدورها مفتاح الغرفة، بعد أقل من خمس دقائق،
جلبت لنا الحاجة قنينة الغاز قائلة" مخاصكم والو زعما ؟" كان صديقي آنذاك يرتب
ملابسه داخل حقيبته، لم يعر الأمر أي اهتمام، لأجيبها بأننا في حاجة للكثير خصوصا
أننا سنقضي ليلة واحدة في هذه المدينة الرائعة، عندها تدخلت الحاجة " أعرف فتاتين
من أروع ما جادت به دكالة" (أطلقت ضحكة عالية) بعدما لاحظت ردة فعل صديقي الذي وضع
حقيبته جانبا وتسمر في مكانه مطلقا عنان أذنيه لالتقاط كلماتها المحشرجة، أضافت
الحاجة "غير بـ 200 درهم والباقي على حسابي"، غابت الحاجة أكثر من نصف ساعة لتتركنا
نلوك الأسئلة تلو الأخرى، فالحاجة لا تختلف عن هؤلاء الوسيطات اللواتي تحتفظ ذاكرة
الداعرين بصور لهن، بل إنها تهيئ الظروف لممارسة الدعارة في جو آمن، كما أنها
زرعتنا في قلب الدعارة دون أن نشعر بذلك، خطوات الكعب العالي هي الوحيدة التي
أعادتنا من إبحار شاق في يم مليء بالأسئلة، كلما زادت حدة الخطوات إلا ولاحظت
التخوف والوجل يطبقان على ملامح صديقي الذي أخذ يستعد لهذا اللقاء غير المنتظر،
دخلت الحاجة صحبة فتاتين إحداهن ترتدي جلبابا ضيقا ومرصعا ببعض الأحجار المتلألئة،
فيما تغطي رأسها، بمنديل أسود اللون، ابتسمت الحاجة قائلة "وكونوا رجالة"، كانت
الساعة آنذاك الرابعة بعد الزوال، امتد حديثنا مع هؤلاء الفتيات أزيد من 20 دقيقة،
نهضت "عزيزة" البالغة من العمر 18 سنة ونزعت ثيابها لتحتفظ بملابس داخلية شفافة
فيما "الزوهرة" التي تكبرها بأربع سنوات نزعت منديلها وخلعت جلبابها المرصع وهي
تسرد أحداث نكتة جنسية عن "الدكالي" مع زوجته الساذجة، منحت الزوهرة خمسين درهما
فيما كان نصيب عزيزة 45 درهما، قلت لهما إننا لا ننوي امتطاء صهوة أجسادكن، بل نود
الحديث معكن عن الأسباب الكامنة وراء امتهانكما للدعارة.
كان لكلماتي الصقيعية وقع المفاجأة، لم تكونا تتصوران أننا بعد هذه الرحلة الطويلة
نلهث وراء جني المعلومات عن الدعارة، ولحسن حظنا أن الزوهرة حسبتنا طلبة بصدد إعداد
بحث حول تعاطي الفتيات لأقدم مهنة في التاريخ، وعلى الرغم من أننا تحدثنا بما فيه
الكفاية، إلا أن حديثهما لم يكن صادقا لدرجة يمكن معه تفسير سبب امتهانهما لهذه
التجارة الدنيئة، لكن الزوهرة كشفت شيئا ما اللبس الذي خيم على تفكيرنا قائلة "نحن
لا نتعامل مع (الحاجة) فقط، وإنما مع العديد من (القوادات) اللواتي يمتلكن شققا
للكراء".
"قوادات" وداعرات في نفس الوقت
وغير بعيد عن مدينة الجديدة التي تعرف دعارة خاصة، عرجنا إلى "مولاي بوشعيب" بأزمور، هناك تختلف وسيطات الدعارة على اختلاف مهنهن، وتستطيع كل واحدة منهن الإيقاع بالزبناء الجدد الوافدين على هذه المدينة العتيقة، ففي الزقاق الذي يبتدئ من "ضريح مولاي بوشعيب"، تأخذ حركة المارة المتبضعين للحلي و"الباروك" طابعا احتفاليا، الزقاق ممتلئ عن آخره، ويبلغ ذروته حوالي الساعة الرابعة والنصف زوالا، على طول الزقاق المليء بالحوانيت تلتقط عيناك غمزات طائشة من امرأة عجوز، أو فتاة قاصرة، بل تتجه إحداهن إليك لتسألك عن "الساعة" أو تمد لك قطعة فخار للبيع، وسط زحمة المارة تنتشل بعض الوسيطات ضحيتها ممن يرغب الارتماء في أحضان اللحوم المهترئة، يعلق "جمال" الذي يبيع حلي "السبيكة" عن هذه الظاهرة قائلا "تلعب بعض النساء في هذا الزقاق دور "القوادات" والداعرات في نفس الوقت، و يكفي أن تمد لها 20 درهما لتشد بك الرحال إلى حيث تريد"، هذا ما لاحظته كلما وجدت نفسي داخل هذا الزقاق الذي لا يختلف عن أزقة نجيب محفوظ أو حسان عبد القدوس في رواياتهم الرائعة، يضيف جمال "حاليا أخذت ظاهرة الوسيطات في التراجع، اعتبارا للحملات التي يقوم بها البوليس بين الفينة والأخرى، غير أن بعض (النقاشات) بهذا الزقاق لازلن يقمن بدور الوساطة بين الزبناء والعاهرات، الشيء الذي يشوه معالم المدينة التي تحبل بأحداث تاريخ عريق".
دنيا الوطن -
http://www.alwatanvoice.com/arabic/news.php?go=show&id=79186
أقرأ أيضاً
بوش في أمريكا اللاتينية: فشل ليس بحاجة إلي شرور اليسار؟
بدء العد التنازلي لانطلاق كبرى دورات "مؤتمر مجلس الشرق الأوسط لمراكز التسوق"
هرولة إلى التحرير يقابلها تقاعس عن التطوير
لاتقترض ولا ترهن بيتك من أجل المضاربة
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007