جالينا فتاة روسية لم تتجاوز بعد الثانية والعشرين من عمرها، إلاّ أنها ذاقت شتى
صنوف العذاب والقهر والذل في حياتها، فهي واحدة من آلاف ضحايا "الإتجار بالبشر" في
بريطانيا والذين لا يقتصرون على النساء فقط، بل بينهم رجال وحتى أطفال صغار.
في سن الرابعة عشرة من عمرها لم تجد جالينا منفذا للخروج من جحيم العيش مع والديها
"السكيرين" سوى الهروب من منزل العائلة لينتهي بها المطاف في شوارع ليتوانيا حيث
تقابل هناك رجلا يعدها بتأمين فرصة عمل مغرية في بريطانيا تقفز لها فرحا وتدغدغ
أحلامها بدفن الفقر والعيش حياة هنيئة.
أما وقد استطاع الرجل أن يقنع جالينا برفقته، فلم تمر على الفتاة الروسية إلا ساعات
قليلة من وصولها إلى بريطانيا حتى وجدت نفسها مرغمة على ممارسة البغاء كسبيل وحيد
للنجاة بحياتها. "مخالب الرجل"
تمر أشهر ثلاثة قبل أن تتمكن جالينا من الهروب من "مخالب الرجل" وتجد لها ملاذا
آمنا في مؤسسة "بوبي" الخيرية التي تقدم ملجأً للهاربات من جحيم "تجار النساء"، وهي
تعيش اليوم في مأواها الجديد بصحبة طفلها الرضيع الذي لم يتجاوز بعد من العمر شهرا
واحداً.
آثار الندوب والعلامات لا زالت بادية بشكل جلي على جسد جالينا وهي التي وجدت ذات
يوم في الانتقام من نفسها وسيلة لتفريغ شحنات القهر والتعبير عما يجول في مكنونات
الذّات من شعور بالذل والنقمة والخوف.
تقول جالينا: "كان الأمر عسيرا جدا عليّ منذ أن تمكنت من الهروب. لقد حاولت
الانتحار مرارا وجرحت نفسي عن قصد وتصميم". كوابيس وأضغاث أحلام
تتابع الفتاة الروسية روايتها قائلة: "كوابيس وأضغاث أحلام تنتابني، كما أنني أشعر
بالقلق والخوف عندما يمر شريط الذكريات الأليمة أمام ناظري...نعم يتملكني شعور
بالغضب الشديد نتيجة لما حصل لي، فأنا أشعر بالخجل لما أقدمت عليه".
لم تعد جالينا ترى مخرجا لمحنتها سوى بالتحديق مطولا في وجه طفلها الرضيع والتأمل
في عينيه علّه يعيد إليها بعضا مما أفقدتها إيّاه تجربتها المرة من فرح وابتسامات
ولحظات سعيدة.
تقول جالينا: "ولكن عندما أتطلع إلى ابني الصغير لا أشعر بكل هذه الأشياء. إنّه
الشيء الوحيد الجيد في حياتي". تجارب مريرة
لم أكن أعرف قبل الأمس أن عدد من مروا خلال السنوات الأخيرة الماضية بتجارب مريرة
كتجربة جالينا ودخلن غياهب تجارة البشر في بريطانيا يتخطّى العشرات أو المئات على
أبعد تقدير، سيّما وأن البلاد تحتفل هذه السنة بالذكرى المئوية الثانية لإلغائها
تجارة الرقيق فيها وبشكل رسمي.
إلاّ أن لغة الأرقام التي تنساب على لسان محدثي الكاهن الدكتور إدموند نيويل، رئيس
كنيسة القديس بولوس ومدير معهد القديس بولوس في لندن، تظهر أن
تجارة البشر لا زالت
واقعا حيّا وملموسا في المجتمع البريطاني حتى الساعة.
يقول الدكتور نيويل في حديث لبي بي سي قبيل افتتاح "معرض الإتجار بالبشر"، أو "بريطانيا
العبودية: تجارة القرن الحادي والعشرين بأرواح البشر"، في مقر الكنيسة يوم الثلاثاء
والذي يفتح أبوابه للجمهور يوم الأربعاء ليستمر حتى التاسع والعشرين من الشهر
القادم:
"لقد سجل في بريطانيا أكثر من 4000 حالة إتجار بالبشر عام 2004. نعم لقد وضع حد
لهذه الظاهرة في بريطانيا بشكل قانوني قبل قرنين من الزمن، ولكنّها لازالت تمارس
بشكل سري حتى يومنا هذا". إحصائيات
كما تشير إحصائيات حديثة إلى أن أكثر من خمسة آلاف شخص يقعون ضحايا للإتجار بالبشر
في بريطانيا سنوياً.
ما يلفت الانتباه في حديث الدكتور نيويل هو تأكيده أن ضحايا ظاهرة الإتجار بالبشر
لا يقتصرون على النساء فقط، بل هم أيضا من الرجال وحتّى الأطفال الصغار. نساء ورجال
وأطفال
يقول الدكتور نيويل: "نحن لا نركز على قضية الجنس واستغلال النساء فقط، بل هناك
أيضا ضحايا للإتجار بالبشر من الرجال والنساء والأطفال الذين يقعون ضحايا لشبكات
تجارة الهجرة غير الشرعية، إذ يُخدع الكثير من البشر بوعود تأمين فرص عمل مغرية في
بريطانيا ليكتشفوا فيما بعد أنها مجرد أوهام وحيل حيكت بخبث للإيقاع بهم".
وعلى الرغم من أن الدكتور نيويل ينظر إلى ظاهرة
تجارة البشر في بريطانيا على أنها "تجري
بشكل سري" إلا أنه يعتبرها "خرقا للقانون" ومصدر إزعاج وقلق للمجتمع والكنيسة.
يقول الدكتور نيويل: "إنها حقيقة تصدم المرء أن يكون للإنسان القدرة على استغلال
أخيه الإنسان". رسالة الكنيسة
ويشدّد على أن في تنظيم المعرض في رحاب الكنيسة رسالة مفادها أنه يتعين على
المجتمع ومؤسساته تكريم ضحايا الإتجار بالبشر وأن يكون للكنيسة دور فعال في تسليط
الضوء على أهمية التثقيف وتوعية الناس بخطورة هذه الظاهرة.
يقول الدكتور نيويل: "تقوم الكنيسة بالكثير من العمل الرعوي مع الناس المضطهدين في
المجتمع وهناك أوقات تحتاج فيها أن ترفع صوتها عاليا نيابة عن أولئك الذين يعانون
بسبب استغلالهم بأشكال مختلفة".
عرب 2000 -
http://www.arab2000.net/wnewsDetails.asp?id=44153&cid=22
أقرأ أيضاً
اللجنة الشعبية العامة تشدد على تفعيل قرار تنظيم تجارة الأدوية
مدير عام غرفة تجارة وصناعة أبوظبي يجتمع مع السفير المغربي
ورشة عن نقطة تجارة دبي وتسهيلات التجارة الدولية
غرفة دبي تنظم ورشة عن نقطة تجارة دبي وتسهيلات التجارة الدولية
جميع الحقوق محفوظة لـ تجارة العرب ©2007